محمد جمال الدين القاسمي

410

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

على الملك رعاياه . فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور . وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه . ويكفّ أذاه عن الناس . فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك ، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام . وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفرا . وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت . فحصروه هنالك . فلما أحس بهم ، وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم ، قال لأصحابه : أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة ؟ فانتدب لذلك شاب منهم . فكأنه استصغره عن ذلك . فأعادها ثانية وثالثة . وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب . فقال : أنت هو . وألقى اللّه عليه شبه عيسى حتى كأنه هو . وفتحت روزنة من سقف البيت وأخذت عيسى سنة من النوم فرفع إلى السماء . وهو كذلك كما قال اللّه : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ . . . الآية . فلما رفع ، خرج أولئك النفر . فلما رأى أولئك النفر ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه . وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك ، لجهلهم وقلة عقلهم . ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه . وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم . حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت . ويقال إنه خاطبها . واللّه أعلم . وهذا كله من امتحان اللّه عباده ، لما له في ذلك من الحكمة البالغة . وقد أوضح اللّه الأمر وجلاه وبيّنه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم ، المؤيد بالمعجزات والبينات ، والدلائل الواضحات ، فقال تعالى وهو أصدق القائلين : ورب العالمين ، المطلع على السرائر والضمائر ، الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، العالم بما كان ويكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [ النساء : 157 ] . أي : رأوا شبهه فظنوا أنه إياه . ولهذا قال : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [ النساء : 157 ] . يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلمه إليهم من جهال النصارى . كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر . ولهذا قال : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [ النساء : 157 ] . أي : وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكّين متوهمين : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً ، أي : منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه . حَكِيماً أي : في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها . وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان